محمد بن جرير الطبري

مقدمة 21

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

3 - تاريخ الطبري وكتابه " المسمى تاريخ الرسل والملوك " ( 1 ) ، أو " تاريخ الأمم والملوك ( 2 ) " يعد أوفى عمل تاريخي بين مصنفات العرب ، أقامه على منهج مرسوم ، وساقه في طريق استقرائي شامل ، بلغت فيه الرواية مبلغها من الثقة والأمانة والإتقان . أكمل ما قام به المؤرخون قبله ، كاليعقوبى والبلاذري والواقدي وابن سعد ؛ ومهد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن خلدون . وقد كان التاريخ عند العرب في الجاهلية أخبارا متفرقة تتناقلها الشفاه ، وروايات متناثرة تدور حول الأشعار والأمثال والأيام ، وأساطير تكسوها المبالغة ويحوطها النهويل ؛ عدا نقوشا كتبت بالخط المسند على حوائط المعابد والأدبرة وأعمدة الحصون والقصور في الحيرة واليمن . ثم كانت بعثة محمد عليه السلام ، ومضى عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده ، وإذا المسلمون يخفون لتدوين أخباره عليه السلام ، ويروون أنباء مولده ومبعثه وهجرته مغازيه ؛ فكان من تدوين تلك السيرة اللبينة الأولى في تاريخ الإسام ؛ على أنها لم تعد في ذلك الحين أن تكون نوعا من رواية الحديث . وكان أول من وضع في ذلك كتابا عروة بن الزبير بن العوام ، ثم تلاه أبان بن عثمان بن عفان ؛ إلى أن بلغ فن السيرة أوجه في كتاب ابن إسحاق . ثم خرج المسلمون للغزو والجعاد ، فهزوا عروش كسرى وقيصر ، وقرضوا دعائم الملك في بلاد الفرس والشام ومصر والروم ، ودخلوا البلاد فاتحين . ثم نبض عرق العصبية والقبلية ، وشاعت أخبار الأمم القديمة ، وتاريخ الديانات عند الأمم الأخرى ؛ كل هذا وذاك دعا إلى إضافة مادة تاريخية جديدة ؛ فالعلماء حاولوا أن يفهموا إشارات الكتاب الكريم إلى تلك الأمم ، والخلفاء رغبوا في معرفة أخبار الملوك من الأمم قبلهم ؛ كان يفعل ذلك معاوية وعبد الملك بن مروان وأبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور ؛ ومست الحاجة إلى معرفة ما فتح

--> ( 1 ) معج الأدباء 18 : 68 . ( 2 ) تاريخ بغداد 2 : 163 ، وكشف الظنون 297 .